
الأحداث✍️ د. محمد نوري
ليس هناك حل للمشاكل بل هناك فقط مبادرات وجب القيام بها. لنحسن القيام بهذه المبادرات وستأتي الحلول لوحدها…
“سان إيكزوبيري”
بعد القرار التاريخي الأخير لمجلس الأمن حول سيادة المغرب على صحرائه، والخطاب الملكي المباشر الذي تلاه مجددا فيه مد اليد لجيراننا وأشقاءنا الجزائريين في إطار سياسة لا غالب ولا مغلوب، والنداء الذي وجهه لإخواننا في مخيمات تندوف للعودة إلى وطنهم الأم، تذكرت مقالا كنت قد كتبته منذ ثلاث سنوات على صفحات هذه الجريدة تحت عنوان “الذئب، العنزة، الكرنبة وصاحب المزرعة، وأشياء أخرى”.
هذه الحكاية التي تُتداول منذ القرن الثامن لها معنيان:
-معنى ظاهريا يفترض بأن لكل مشكلة حل، وهذا في حد ذاته منطق معتل إذ يخلق توترا نفسيا كبيرا لدى صاحبه قد يودي به إلى الإحباط في حالة فشله في الوصول إلى ذلك الحل. لهذا، تبدو وصفة سانت إيكزوبيري أرحم وأنجع.
– ومعنى ثانيا، باطنا وفاسدا، يفرض علينا منذ البداية بأن تلك الكائنات الثلاث لا تستطيع أن تتعايش فيما بينها دون أن يأكل بعضها البعض، وأن صاحب المزرعة هو البطل الذي سيتكلف بفصلها عن بعض لاجتناب المجزرة. وهذا لعمري تجسيد للسلوك المُغرِض للدول الاستعمارية السابقة حيال مشكل الصحراء الذي جعلت منه لعقود طويلة السمَّ والترياق في نفس الوقت.
لذلك، أشرت حينها بأن العالم يعيش تغيرات جيوسياسية كبرى تفرض على المغرب والجزائر وإسبانيا وفرنسا هدم هذه الباراديغما القديمة وبناء أخرى جديدة تسمح لهذه الدول بعلاج حالة الاضطراب الانفجاري المتقطعTrouble explosif intermittent التي أدخلت العلاقات في المنطقة المذكورة إلى حالة من الهاراكيري أو الانتحار الجماعي.
ثلاث سنوات بعد ذلك، تحققت هذه الفكرة-الدعوة في مُجملها حيث عملت ثلاث دول من أربع على السير على نفس الدَّيدن وضبط عقارب ساعتها على نفس التوقيت. ليس ثمة أي شك في أن التحاق الدولة الرابعة سيتأتى قريبا لأن سهم الزمن يتجه دائما نحو الأمام.
السؤال الآن هو: ما هي الأسباب التي تفسر كل هذا الزخم، ولماذا كل هذا التحول؟
أكيد أن اعتراف ترامب بمغربية الصحراء في عهدته الأولى (دجنبر 2020) تم مقابل انضمام المغرب إلى اتفاقيات أبراهام، لكنه وجب التذكير بأن هذا الاعتراف كان يُطبخ في الإدارة الأمريكية منذ رئاسة جيمي كارطير أي منذ خمس وأربعين سنة. اتخاذ هذا القرار ظل يحتاج إلى نقطة تحول أي إلى تحقُّق بعض الشروط الجيوسياسية التي كان لها أن تتأتى. جرأة ترامب السياسية سهَّلت اقتحام هذه العقبة، وباستمرار بايدن على نهج سلفه على اختلاف انتمائهما الحزبي الإيديولوجي، تأكد للعالم بأنه قرار يخص الدولة العميقة في هذا البلد المحوري وصاحب القلم بخصوص موضوع الصحراء في مجلس الأمن.
أمام هذا المعطى، كان من المرتقب أن تتساقط أوراق التردد والممانعة واحدة تلو الأخرى، فجاء الاعتراف الإسباني في مارس 2022، ثم الفرنسي في أكتوبر 2024، لتتحرر هاتين الدولتين الاستعماريتين السابقتين من طلاسم الحكاية وتقطَع مع حالة الورطة التي كانتا تعيشها بالإصرار على الحفاظ على وجهين في نفس الوقت، رغم عِلمهما كقوتين محتلتين سابقتين بما كانت عليه خريطة المملكة المغربية قبل مؤتمر برلين 1884 ومعرفتِهما بالبيعة المستمرة لقبائل الصحراء للعرش المغربي.
مع إدارة ترامب الثانية (يناير 2025)، التحقت بريطانيا بالركب واعترفت بواقعية ومصداقية ونجاعة المقترح المغربي (يونيو 2025) لتعانق ثلاث دول من الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الطرحَ المغربي.
وعودة للأسباب التي أنضجت التحول المذكور، لا بأس من التذكير بأن العالم دخل منذ بداية القرن العشرين إلى مرحلة مطبوعة بتوتر مستديم، إلى وضعية صار فيها التاريخ يسير، حسب المؤرخَين طوماس كومار و كريستوف بوتون، بسرعة كبيرة Accélérateur de l’histoire بفعل تداؤب عدد من العوامل: تناسل النزاعات وتنامي التنافس الجيوسياسي، الاحتباس الحراري، التطورات التكنولوجية غير المسبوقة، والسرعة المفرطة لانتقال المعلومات. منذ وقتئذ، أصبحنا نعيش ارتفاعا حادا في منسوب العمليات الاستراتيجية التي تروم تغيير الباراديغما وموازين القوى العالمية السابقة.
جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية-الأوكرانية قامتا بعملية تغذية ارتجاعيةRetroalimentation لهذا التوجه السريع الذي أضعف العولمة بمفهومها ومقتضياتها السابقة، وجعل الجيوسياسة توجه الاقتصاد نحو مناطق نفوذ أخرى، أقل مساحة، بهدف توطين مراكز إنتاج إقليمية أو جهوية لاجتناب انقطاع سلسلة التزود بالسلع الحيوية بالنسبة للاقتصاد. ونتيجة للصراع المحموم حول المعادن النادرةTerres rares الحيوية بالنسبة للاقتصاد الحالي والمستقبلي، أضحت إفريقيا قارة القرن الواحد والعشرين بامتياز.
بفضل موقعه الجغرافي المحوري، واستشرافه لهذه التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية، وقدرته الكبيرة على تنويع شركائه، عرف المغرب كيف يجعل من نفسه رقما أساسيا في هذه المعادلة، مانِحا كل واحد من هؤلاء الشركاء ما يحتاج إن على مستوى منصات الإنتاج والعبور، أو الطاقة أو الأمن والدفاع، أو الفلاحة، أو الصيد البحري، أو الرياضة أو في مجال الهجرة، إلخ. فضلا عن تسهيل ولوجهم إلى الأسواق الإفريقية الواعدة بحكم علاقاته التاريخية مع عدد من دول هذه القارة، أو عبر نسجه خلال العقدين الأخيرين لشراكات استراتيجية وفق مقاربة رابح-رابح مع دول أخرى ظلت إلى سنوات قليلة حبيسة محور الجزائر-بريطوريا.
لهذا، لكل هذا، أضحى المغرب شريكا موثوقا به، شريكا مبادرا له خطة طريق مستقبلية واضحة يطبقها بثبات وتؤدة، شريكا محترما في كل التجمعات الإقليمية والدولي، وهذا ما يفسر نقطة التحول التي تحدثنا عنها التي عجلت بالاعتراف الأمريكي.
لقد أكد القرار 2797 الأخير لمجلس الأمن هذا السردية، وما عدم استعمال الفيتو من طرف روسيا والصين واكتفائهما بعدم التصويت إلا تأكيد على أحقية الجيوسياسة والجيواقتصاد على نوستالجيا التحالفات الإديولوجية للقرن الماضي التي أكل عليها الدهر وشرب، على نجاعة الدبلوماسية المغربية، وعلى العمل التنموي الجبار الذي قام ويقوم به المغرب في أقاليمه الجنوبية التي ستتبوأ مكانة رفيعة في الهندسة الدولية الجديدة.
لقد حسم المغرب النزاع على الأرض منذ خمسين سنة، وها هو اليوم يحسمها بالشرعية الدولية ومع ذلك لم يسد الباب في وجه طرفي النزاع لدرء المفسدة وجلب المنفعة وفق منطق لا غالب ولا مغلوب.
ليس ثمة أي شك في أن وضعية المغرب أحسن اليوم من أكثر أي وقت مضى بفضل تحكُّمه في العناصر الحيوية الأربعة، العنصر العسكري، والاقتصادي، والسياسي والدبلوماسي بعد القرار مجلس الأمن الأخير. في المقابل، الجزائر وجبهة البوليزاريو في ورطة Dilemmeاستراتيجية: الانخراط في المفاوضات وبالتالي الاعتراف بالحكم الذاتي تحت سيادة المغرب، أو رفض ذلك وتعميق عزلتهما.
في إحدى مقالاته الجميلة، يشير عالم النفس العصبي والسلوك الحيواني، الفرنسي بوريس سيرولنيك، إلى أنه بإمكان النسر أن يعيش سبعين سنة، لكن شريطة اتخاذ قرار جذري بعد ختمه عقده الرابع. نعم، في هذا السن، تضعف مخالبه فلا يقدر على الصيد، يصيب منقاره العوج والتلف فلا يقدر على الفتك بفريسته وتمزيق لحمها، تثقل جناحاه فيغدو عاجزا على التحليق. في هذه اللحظة، يجب عليه أن يتخذ قراره: إما الموت أو الانبعاث من جديد.
إن هو أراد الاستمرار في العيش لثلاثين سنة أخرى عليه أن يمر من طقس تراجيدي موجع لكن لا مناص منه. عليه أن يهرع إلى أعالي الجبال، أن يبدأ في النقر بقوة على الصخر ليهشم منقاره لتقوم الطبيعة بتعويضه بمنقار آخر، أن يقتلع في ألم شديد مخالبه واحدا تلو الآخر، ثم ريشه، واحدة تلو الأخرى، لتنمو بعد ذلك من جديد، في عملية وجيعة تستغرق ما يناهز مائة وخمسين يوما.
عِبرة هذه القصة هي أنه لا انبعاث بدون تحول، ومن لا يتجدد يحكم على نفسه بالفناء.
هل حكام الجزائر مستعدون لمثل هذا الطقس الصعب والضروري؟ هل يستطيعون تجديد عقيدتهم المهترئة وتقديم نسخة أفضل مما هم عليه الآن؟
في ذلك يكمن استمرار نظامهم ووحدة بلادهم.