يشهد العالم اليوم صراعًا جديدًا لا يعتمد على الأسلحة والجيوش فقط، بل على التكنولوجيا التي أصبحت أساس القوة الاقتصادية والعسكرية. تقود هذا الصراع ثلاث قضايا مترابطة: التوترات السياسية بين الدول الكبرى، سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، وصناعة الرقائق الإلكترونية التي تدخل في كل القطاعات الحديثة من الهواتف إلى الصواريخ. وبحسب ورقة بحثية صادرة عن مؤسسة Sibylline، فإن العالم يتجه نحو أزمة متعددة الأبعاد قد تصل إلى ذروتها في عام 2027، حيث تسعى القوى الكبرى للهيمنة على التكنولوجيا التي تحدد شكل الاقتصاد والأمن العالمي.

مركز الأزمة

وتوضح الورقة أن شركة TSMC في تايوان أصبحت محورًا رئيسيًا في هذه الأزمة. فهذه الشركة تنتج قرابة 90 في المئة من الرقائق الإلكترونية المتقدمة التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية. هذا يجعل تايوان ليست مجرد جزيرة محل نزاع بين الصين والغرب، بل جزءًا من الأمن التكنولوجي العالمي.


كما أن الصين تعتبر السيطرة على تايوان أو التأثير على صناعة الرقائق خطوة مهمة لتصبح قوة تكنولوجية كاملة. في المقابل، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على حماية تايوان وتشديد القيود على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين. هذا الصراع قد لا يكون عسكريًا بالضرورة، لكنه يخلق توترًا مستمرًا يمكن أن يتحول إلى أزمة في أي وقت.

الأمن القومي

ولم تعد التكنولوجيا صناعة اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءًا من حسابات الأمن القومي. تعطّل إنتاج الرقائق يعني توقف مصانع السيارات، تباطؤ تطوير الأسلحة الذكية، وتأثر شركات التكنولوجيا حول العالم. لذلك تسعى الدول الكبرى إلى بناء سلاسل إنتاج بديلة، وتقليل الاعتماد على مناطق محددة مثل تايوان.

وتشير الورقة إلى أن أي اضطراب في تايوان، أو تصاعد في المواجهة بين الصين والولايات المتحدة، قد يؤدي إلى تعطّل كبير في سلاسل الإمداد، وارتفاع في الأسعار، وتراجع الابتكار، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.

مخاطر موازية

وإلى جانب الصراع على التكنولوجيا، تحدث الورقة عن مخاطر إضافية يمكن أن تتزامن معه، مثل:

• إمكانية تصاعد التوتر بين روسيا وحلف ناتو.

• تجارب صاروخية أو تصعيد من كوريا الشمالية.

وهذه الملفات لا ترتبط بالتكنولوجيا بشكل مباشر، لكنها تزيد الضغط على النظام العالمي، وقد تجعل الأزمة أكثر تعقيدًا إن وقعت في الوقت نفسه. ما الذي قد يحدث حتى عام 2027؟ وترجّح الورقة عدة سيناريوهات محتملة، بينها:

• تعطّل في سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية، وتأثير مباشر على الصناعات الكبرى.

• ارتفاع تكلفة التكنولوجيا وتأخر عمليات التصنيع.

• تشكل تحالفات تكنولوجية جديدة، وانقسام العالم إلى معسكرين رقميين: واحد تقوده الولايات المتحدة، وآخر تقوده الصين.

• تراجع الاستثمارات في بعض الدول، واضطراب الأسواق المالية.

وترى الورقة أن هذه العوامل قد تخلق أزمة لا تُشبه أزمة واحدة، بل مزيجًا من أزمات سياسية واقتصادية وتكنولوجية في وقت واحد، وهو ما يُطلق عليه مفهوم «الأزمة متعددة الأبعاد».

متعددة الأبعاد

وسمت الورقة الأزمة بمتعددة الأبعاد وذلك لأنها تعتبر أن الخطر ليس في حدث منعزل، بل في تراكم أزمات في المجتمعات الدولية: صراع القوى، التكنولوجيا، الاقتصاد، البيئة، سلاسل التوريد. فترابط هذه الأبعاد يُلوّح بأن النظام العالمي قد يواجه «نقطة تحول» في الأعوام المقبلة.

موازين القوة

فالصراع على التكنولوجيا لم يعد شأنًا اقتصاديًا داخليًا، بل تحول إلى ملف سياسي وأمني عالمي. ومع أهمية الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصّلات في حياة الناس والصناعات الكبرى، أصبح السباق عليها يحدد موازين القوة في المستقبل. وتؤكد ورقة Sibylline أن الأعوام المقبلة، وحتى 2027، ستكون مرحلة حساسة قد تغيّر شكل الاقتصاد العالمي ونظام القوة بين الدول.

التأثيرات المتوقعة

• الدول الصغيرة أو المتوسطة قد تُجبر على اختيار «جانب» في الصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، ما يُضعف استقلالها.

• تراجع قوة الشركات العاملة ضمن سلاسل التوريد التقليدية وزيادة تكاليف الإنتاج وتأخر الابتكار.

• تحول جيو-تكنولوجي: تحالفات تكنولوجية جديدة، انقسام الشبكات الرقمية، وتنامي الاعتماد على «أقطاب تقنية» بديلة.

• احتمال أن تتأثر الأسواق المالية سلباً، خصوصًا في الصناعات المرتبطة بالرقائق، الذكاء الصناعي، والالكترونيات.

• مخاطر التسلّح التكنولوجي: الذكاء الاصطناعي يصبح ساحة «سباق» بين الدول، ما يزيد احتمالية التصعيد.

• الضغط على الدول والمجتمعات لمزيد من «المرونة» والإعداد لمواجهة سلسلة أزمات مترابطة.

تقدم الورقة عددًا من التوصيات للدول العربية التي يمكن أن تساعدها على حماية مصالحها:

1. تنويع مصادر الحصول على التكنولوجيا وعدم الاعتماد على طرف واحد.

2. بناء صناعات محلية في مجال الرقائق أو التعاون ضمن تحالفات إقليمية.

3. وضع خطط طوارئ في حال تعطّل سلاسل الإمداد العالمية.

4. تعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية الرقمية.

5. متابعة التطورات الدولية واتخاذ مواقف تحفظ المصالح الاقتصادية