ما يجعل هذه الزيارة محورية، هو أنّها لم تكتفِ بتأكيد حضور المملكة الدولي، بل انتقلت فعليًا إلى مرحلة «تشكيل المستقبل» من خلال حزمة اتفاقيات نوعية في الذكاء الاصطناعي، والتعاون العسكري، والطاقة النووية، بما يعكس انتقال السعودية من موقع المتلقي للتقنية إلى موقع الشريك والصانع.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه أنّ الاتفاقيات الخاصة بالذكاء الاصطناعي جاءت متسقة تمامًا مع طموح رؤية 2030 التي وضعت التحول الرقمي في صلب مشروعها الوطني، إذ باتت السعودية اليوم تدرك أن القوة في هذا العصر تُقاس بمدى امتلاك أدوات المستقبل، وبالتالي فإن العمل على شراكات تقنية عميقة مع كبرى الشركات الأمريكية يمنح المملكة موقفًا متقدمًا في خارطة الابتكار العالمية، كما يعزز قدرتها على بناء اقتصاد يعتمد على المعرفة لا على الموارد فقط.
ومع ذلك، فإن البعد العسكري للزيارة لا يقل أهمية، لأنه يكرّس مبدأ الشراكة الدفاعية المتوازنة ويضع السعودية في موقع فاعل داخل منظومة الأمن الإقليمي والدولي، خصوصًا في ظل التحديات المتغيرة التي تتطلب بناء قدرات عسكرية ذكية لا تقليدية، وهذا ما ينسجم بدوره مع جهود التحديث التي تقودها القيادة السعودية لرفع جاهزية القطاع العسكري وتوطين الصناعات الدفاعية.
وإلى جانب ذلك، يُعدّ الاتفاق النووي السلمي خطوة مدروسة تُظهر أن المملكة تتحرك بثبات نحو تنويع مصادر الطاقة، ليس فقط استجابةً للطلب المحلي المتزايد، بل لتأمين موقع مستدام في سوق الطاقة العالمي الذي يشهد تحولات عميقة، إذ يصبح المزج بين النفط والطاقة المتجددة والنووية جزءًا من معادلة القوة الاقتصادية السعودية في العقود المقبلة.
ومن خلال هذه المسارات الثلاثة المتوازية يتضح أن الزيارة لم تكن بروتوكولًا سياسيًا، بل إعلانًا عمليًا عن انتقال السعودية إلى مرحلة نفوذ جديدة، مرحلة تُستخدم فيها الدبلوماسية كأداة لبناء المستقبل لا لرد الفعل تجاهه، ما يؤكد أن المملكة بقيادة ولي العهد تمضي نحو 2030 بثقة أعلى، ورؤية أوضح، وحضور دولي لا يُدار من الهامش، بل من مركز القرار العالمي.