تحشيد أمريكي
دفعت إدارة ترمب بقوة عسكرية هائلة إلى المياه الإقليمية المحيطة بإيران خلال الأسابيع الماضية. فحشدت حاملتا الطائرات «يو إس إس ثيودور روزفلت» و«يو إس إس أبراهام لينكولن» اللتين تجوبان مياه بحر العرب والخليج العربي، مصحوبتين بمجموعة ضاربة من المدمرات المجهزة بصواريخ «توماهوك» الكروز بعيدة المدى. كما عززت القوات الجوية الأمريكية وجودها في قواعد العيديد القطرية والظفرة الإماراتية بأسراب من قاذفات «بي-52» الإستراتيجية ومقاتلات «إف-35» الشبحية، إضافة إلى طائرات «إف-22 رابتور» التي تعد الأكثر تطوراً في ترسانة البنتاغون.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد نشرت واشنطن بطاريات متقدمة من منظومة «ثاد» للدفاع الصاروخي في المنطقة، تحسباً لأي رد إيراني محتمل.
إلى ذلك، تجوب الغواصات النووية الهجومية أعماق بحر العرب في سرية تامة، بينما تنتشر طائرات التجسس والاستطلاع «جلوبال هوك» و«بوسايدون» لمراقبة كل تحرك إيراني.
هذا الحشد الضخم يحمل رسالة واضحة لطهران: الخيار العسكري جاهز ومتاح في أي لحظة.
دور سعودي
في خضم هذا التصعيد العسكري، تمارس الرياض دوراً دبلوماسياً دقيقاً ومحسوباً. فقد استضافت السعودية قمة عربية إسلامية استثنائية الشهر الماضي، خلصت إلى أن الحرب في المنطقة ستكون كارثية على المنطقة بأسرها.
كما استخدمت السعودية قنوات اتصال مباشرة مع البيت الأبيض، مركزة على أن أي ضربة عسكرية قد تشعل المنطقة بأكملها وتهدد إمدادات الطاقة العالمية.
وكانت السعودية واضحة في أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن هجمات على إيران، مع الحفاظ على التحالف الإستراتيجي مع واشنطن. وهذا الموقف المتوازن منح السعودية نفوذاً كبيراً في التأثير على القرار، خاصة مع إدراك ترمب أهمية الاستقرار الإقليمي لمصالح الاقتصاد الأمريكي.
سيناريوهات محتملة
يرسم الخبراء الإستراتيجيون 3 سيناريوهات رئيسة للأزمة الأمريكية الإيرانية.
السيناريو الأول يتضمن ضربات عسكرية محدودة تستهدف المنشآت النووية والبنية التحتية العسكرية الإيرانية، مع محاولة تجنب التصعيد الشامل. وهذا الخيار يحمل مخاطر عالية، إذ قد ترد إيران باستهدافات صاروخية لمنشآت النفط في دول الخليج أو إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس الإمدادات النفطية العالمية.
السيناريو الثاني، يقوم على تشديد العقوبات الاقتصادية وحملة «الضغط الأقصى» التي تبناها ترمب في ولايته الأولى، مع استخدام التهديد العسكري كورقة ضغط للوصول إلى تسوية دبلوماسية. هذا المسار يبدو الأكثر ترجيحاً حالياً، خاصة مع الضغوط السعودية والأوروبية لتفضيل الحلول الدبلوماسية.
أما السيناريو الثالث والأكثر خطورة، فهو الحرب الشاملة التي قد تشمل عمليات برية وبحرية وجوية واسعة النطاق، لكن احتمالية هذا السيناريو تتراجع يومياً مع تزايد التكاليف المتوقعة وتحذيرات الحلفاء.
معضلة اليوم التالي
السؤال الذي يؤرق مخططي البنتاغون والبيت الأبيض ليس فقط كيفية ضرب إيران، بل ماذا سيحدث في اليوم التالي للضربة. الفراغ الأمني المحتمل، وتداعيات انهيار النظام الإيراني على الدول المجاورة، وموجات اللاجئين المتوقعة، وسيطرة الميليشيات على مناطق واسعة، كلها مخاوف حقيقية تجعل من خيار الحرب مغامرة غير محسوبة العواقب. التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية الأمريكية، والإدارة الحالية تدرك أن «الانتصار العسكري» قد يتحول إلى مستنقع سياسي واقتصادي يمتد لعقود.