وتعد نبتة الفل، المعروفة محليًّا بـ«الرديمة»، أحد أبرز الموروثات النباتية العطرية في منطقة جازان، حيث يحرص الأهالي على زراعتها في المنازل والمزارع بأساليب تقليدية تجمع بين الدقة العلمية والحرفية اليدوية.
وتزخر المنطقة بأكثر من 1000 مزرعة، تحتضن نحو 500 ألف شجرة فل، تنتج سنويًّا 600 طن من هذه الثمرة العطرة.
ويُقدر حجم سوق الفل في جازان بنحو 70 مليون ريال، مع تصديره إلى مدن المملكة.
عادة متوارثة
تتزين المنازل والأفنية بـ«ردائم الفل» ضمن عادة أصيلة توارثها الأهالي عبر مئات السنين، مع عناية لافتة من المرأة الجازانية بزراعة أشجار الفل داخل المنازل والأسوار، وانتشارها في بعض الحدائق والميادين العامة.
ويحرص المزارعون على غرس «الردائم» مع حلول الربيع مستفيدين من اعتدال المناخ، مع توفير الري المنتظم وبناء هيكل خشبي مربع يدعم نموها حتى ارتفاع 3 أمتار، مزدانة بأوراق خضراء دائمة ذات ملمس جلدي ناعم، وأغصان مرنة، وأزهار أنبوبية بيضاء تفوح برائحة عطرية نفاذة.
عبق وتنوع
تتنوع أصناف الفل بين «القريشي الأبيض» ذي الحبات الطويلة النقية البياض والعبق الاستثنائي ليلًا، و«البلدي» الذي يميل لونه إلى الاصفرار مع حبات متباينة العدد والحجم، و«العريشي» الذي يتميز بشدة بياضه وعبقه وحجمه الكبير، إذ تنتفخ حباته ليلًا مع رائحة ساحرة قوية، إلى جانب صنف «العزان» ذي الحبات الكبيرة المائلة إلى الصفرة، والذي يزدهر في المناطق الجبلية ويُنسج في عقود طويلة.
منافسة عالمية
نجح مركز الأبحاث الزراعية بجازان، بالتعاون مع جمعية الفل وجامعة جازان، في استخلاص زيت الفل الجيزاني بجودة عالية، يحتوي على كحول الفينايثايل ونسبة منخفضة من فينيل أسيتات، متفوقًا على الزيوت الهندية والمصرية، مما يعزز التنافسية العالمية ويدعم رؤية 2030.
وبالرغم من إعلان مشروع مدينة الفل عام 2021 لتقليل استيراد الزيوت العطرية (8 مليارات ريال سنويًّا)، فإن غياب المصانع وارتفاع أجور العمالة وضعف التسويق يعيقان تقدمه.
من الغرس إلى القطف
يشير المزارع هادي بن يحيى طالبي المدخلي في حديثه لـ«الوطن» إلى إن زراعة الفل تبدأ باختيار فسيلة قوية من نبات أم منتج، مع تنظيف الموقع وغرسها في حفرة مُعدَّة، محذِّرًا من الإفراط في الري الذي يضعف الإثمار، مشيرًا إلى أن الإنتاج يبدأ قليلًا في الموسم الأول ويزداد تدريجيًّا، مع قطف الحبات يدويًّا في الصباح الباكر للحفاظ على جودتها.
وأكد أن موسم القطف يمتد على مدار العام، لكنه يزداد في الصيف ويقل في الشتاء، مع رائحة نفاذة تستمر يومين، لافتًا إلى حاجة النبتة إلى عناية فائقة بالري والتسميد ومكافحة الآفات مثل التربس والعناكب، ونموها في معظم الترب باستثناء السبخة مع تحمل معتدل للملوحة، مشيرًا إلى تفضيل النبتة للحرارة والجفاف، وتأثرها سلبًا بالأمطار والشتاء.
رمز الأعراس
يوضح المدخلي أن الفل أصبح شعار الأعراس والمناسبات الجازانية، وهو يُشكَّل في عقود تقليدية مثل «الرصاص» و«الكبش» و«المبروم» و«المسابح» وغيرها، بسعر يتراوح بين 5 و150 ريالًا وقد يصل إلى مئات الريالات حسب النوع والحجم والمناسبة، مفيدًا بأن متوسط سعر الكيلو الواحد يتراوح بين 5 و100 ريالات حسب موسم المناسبات والإنتاج.
وبين أن الفل يرمز في الشعر النبطي والأغاني الشعبية إلى صفاء القلب، خاصة القريشي الأبيض.
فرص سياحية
دعا المدخلي إلى تحويل بعض مزارع الفل إلى وجهات سياحية توفر تجارب مثل «تجربة قطف الفل»، كاشفًا عن أن تصدير الفل حاليًّا يتم بطرق فردية عشوائية تؤدي إلى تقلبات سعرية حادة، مع منافسة شرسة من الفل الهندي والماليزي الذي يُباع كـ«جازاني» حتى ينكشف احمراره وجفافه.
تراث عائلي يمتد لأجيال
زراعة عضوية
بدوره، أكد المزارع سامي بن عواجي المهجري لـ«الوطن» أن زراعة الفل في جازان ليست مجرد عمل زراعي، بل هي جزء من هويتنا وتراثنا العائلي الذي يمتد إلى أجيال، وقال «أعتمد في مزرعتي على الزراعة العضوية قدر الإمكان، متجنبًا المبيدات الكيميائية القاسية، مما يجعل رائحة الرديمة أنقى وأطول أمدًا بعد القطف».
وأوضح أن «النبتة تحتاج إلى معاملة حانية كأنها فرد من الأسرة؛ فهي تحتاج إلى الري المنتظم دون إفراط، والتقليم الدوري، والحرص على التهوية الجيدة لتجنب الأمراض».
دعم واستدامة
طالب المهجري بتوسيع الدعم الحكومي لمزارع الفل، منوِّهًا بمحدودية برنامج «ريف السعودية» لأصحاب الدخل المنخفض، إلى جانب صعوبات التسويق وقلة العمالة أثناء القطف.
الرديمة
ـ اسم محلي يطلق في منطقة جازان على نبتة الفل
ـ أكثر من 1000 مزرعة في المنطقة
ـ 500.000 شجرة فل في المنطقة
ـ الإنتاج السنوي للمنطقة يصل إلى 600 طن
ـ حجم السوق: 70 مليون ريال