«الشرق» في لحظة فارقة: كيف يتموضع العالمان العربي والإسلامي في ظل التحولات السياسية والاقتصادية الحالية؟
مشاركة
“الشرق” في لحظة فارقة: كيف يتموضع العالمان العربي والإسلامي في ظل التحولات السياسية والاقتصادية الحالية؟

يصف د. عماد شاهين النظام الدولي بأنه يمرّ بـ"مرحلة تحوّل" لم تتحدد ملامحها النهائية بعد، لكنه يميّز لها علاماتٍ متراكبة:

تراجع قدرة الهيمنة الأحادية الأمريكية: ليس بوصفه "نهاية" كاملة، بل بوصفه ضعفاً تظهر دلائله في الداخل الأمريكي: معاناة اقتصادية، سوء إدارة، طبيعة قيادة "غير تقليدية" تتسم بالعفوية والتخبط، واستقطاب حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل وبين المؤسسة وشرائح من المجتمع. ويضيف شاهين إلى ذلك ملمحاً خارجياً يرتبط—في تقييمه—بتحوّل سلوك القوة العظمى من "دفع" كلفة القيادة إلى "تحصيل" الأموال، خصوصاً من دول عربية.

ظهور منافسين قادرين على الحدّ من التفرد: يشير إلى الصين على وجه الخصوص، ثم روسيا في سياق حرب أوكرانيا، بوصف ذلك علامة على أن الغرب—حتى مجتمعاً—لم يعد قادراً على حسم صراعات كبرى بسهولة.

اتساع الفجوة بين الأنظمة الغربية وشعوبها: يلفت إلى أن حرب غزة كشفت "عدم رضا" شعبياً في أوروبا والولايات المتحدة تجاه سياسات رسمية، بما يدل على تشققات داخلية في المعسكر الغربي نفسه.

يقدّم البروفيسور محمد أسوتاي تحليلاً تاريخياً عميقاً للنظام الاقتصادي العالمي، موضحاً أنه تشكّل على مدى 300 عام تحت وطأة ما يسميه "الرأسمالية التراكمية" (Accumulative Capitalism). هذا النظام، الذي قامت على أكتافه "الشركات الكبرى" ككيانات تتجاوز الأفراد، نجح في فرض هيمنة شبه مطلقة على الموارد العالمية.

وقد تم فرض هذا النظام على العالم الإسلامي عبر مرحلتين من التغيير الحضاري، كل منهما أعمق من سابقتها:

تمثّل في مشروع الحداثة والتغريب الذي صاحب الحقبة الاستعمارية، وهدف إلى فرض التجانس القيمي والمؤسسي على العالم. ورغم نجاحه في فرض هياكل الدولة القومية الرأسمالية، إلا أنه لم يتمكن من اختراق البنى السلوكية والقيمية في "الأطراف" بشكل كامل.

انطلق عام 1979، حيث فُرضت الليبرالية الجديدة وسياسات الخصخصة. نجحت هذه المرحلة نجاحاً باهراً لأنها، على حد تعبير البروفيسور أسوتاي، "تمكنت من اختراق الأطراف" بطريقة لم تنجح بها المرحلة الأولى.

"لم تكن لتتوقع أن يقوم مسلم محافظ تقليدي يعيش في قرية نائية في إحدى مناطق العالم الإسلامي على الظهور على منصات مثل "تيك توك" والرقص، لكن هذا يحدث الآن".

لقد أثّر هذا النظام العالمي المتغير بشكل مباشر وعميق على واقع العالم الإسلامي، ما أدى إلى حالة من الشلل والتبعية التي سنفصلها في الجزء التالي.

محمد أسوتاي، أستاذ الاقتصاد السياسي والتمويل في الشرق الأوسط والإسلامي في كلية إدارة الأعمال بجامعة دورهام، ومدير مركز دورهام للاقتصاد والتمويل الإسلامي.

في هذا السياق، لا تبدو التبعية الاقتصادية مجرد نتيجة جانبية، بل عنصراً تأسيسياً في إعادة إنتاج العجز السياسي، حيث تتغذى كل منهما على الأخرى ضمن حلقة مفرغة تُقيّد القدرة على المبادرة، وتُبقي المنطقة أسيرة استجابات دفاعية قصيرة المدى، بدل الانخراط في بناء خيارات استراتيجية مستقلة.

تسود حالة من "الانفرادية في الحلول"، حيث تسعى كل دولة إلى معالجة مشاكلها بمعزل عن الأخرى. هذا التباين في المصالح يمنع تشكّل أي موقف عربي موحّد وقوي قادر على مواجهة التحديات المشتركة.

تعاني دول المنطقة من تبعية متعددة الأوجه؛ فدول ذات ثقل تاريخي وسكاني مُثقلة بالديون التي تقيّد قرارها السيادي. في المقابل، تعتمد دول أخرى، خاصة في الخليج، على الحماية العسكرية الخارجية، ما يجعلها رهينة لمصالح القوى الكبرى.

وفي هذا الإطار، يشدّد الدكتور شاهين على ضرورة إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي على أساس إدراك التحولات الجارية، وحماية الحدود والمجالات الحيوية، برية وبحرية، ضمن رؤية إقليمية أوسع. فغياب هذه المراجعة الاستراتيجية، في نظره، هو ما يُبقي المنطقة مكشوفة أمام مشاريع إعادة التشكيل التي تُفرض عليها من الخارج، دون قدرة حقيقية على التأثير أو المبادرة.

على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، يوضح البروفيسور أسوتاي كيف رسّخت الرأسمالية هيمنتها عبر آلية "صناعة الإنسان المَدين". من خلال قروض الإسكان والسيارات والديون الاستهلاكية، يصبح الأفراد "تابعين للنظام المهيمن". فهم يخشون التغيير لأنه يحمل "عدم اليقين"، ويضطرون للدفاع عن "الوضع الراهن" لضمان قدرتهم على خدمة ديونهم.

ويشير أسوتاي إلى كيف نجح هذا النظام في تسليع ضروريات الحياة الأساسية التي منع الإسلام تحويلها إلى سلع خاضعة لمنطق السوق، ومنها:

ويقدّم المثال التركي نموذجاً على هذا التحول؛ إذ انتقلت تركيا من اقتصاد إنتاجي شبه مكتفٍ ذاتياً إلى اقتصاد مُمالٍ، ما جعلها شديدة الهشاشة أمام صدمات سعر الصرف، وأفضى إلى تراجع فرص العمل وتعميق الأزمة الاجتماعية. في هذا السياق، يُجهَض مشروع الاقتصاد الإسلامي ليس لافتقاره إلى الرؤية، بل لغياب القوة السياسية القادرة على حمايته وتفعيله.

كما يتوقف أسوتاي عند التجربة الإيرانية، التي كان يُعتقد أنها ستقدّم نموذجاً اقتصادياً بديلاً، غير أنها في الواقع استندت إلى دعم تجار البازار، الذين قبلوا بتديين المجال الاجتماعي والسياسي، لكنهم رفضوا أسلمة السوق. وبهذا، فشلت الثورة في كسر منطق السوق السائد أو تحدي بنيته العميقة.

بالرغم من قتامة هذا التشخيص، لا يطرح الخبيران تصورات كبرى أو وعوداً شاملة، بل يقدّمان مسارات عملية محدودة تنطلق من الواقع القائم، وتحاول فتح هوامش للفعل داخل شروط شديدة القسوة. ويجمع هذا القسم تلك الإجابات كما وردت، بوصفها مقترحات واقعية لتخفيف الانسداد، لا حلولاً نهائية.

يؤكد أسوتاي ضرورة إبقائها ضمن فضاء المجتمع المدني، وتوجيهها نحو تمويل المشاريع المتناهية الصغر وتمكين الفئات الهشّة، مع التحذير من استحواذ الدولة عليها بوصفها "مورداً مالياً سهلاً" يُستخدم لأغراض لا تمتّ بالضرورة إلى العدالة الاجتماعية بصلة. وتُعد تجربة مؤسسة "بيت المال والتمويل" في إندونيسيا مثالاً ناجحاً.

الدعوة إلى إعادة إحيائها كمصدر مستدام لتمويل المشاريع الصغيرة والشركات الناشئة، وتحريرها من القيود البيروقراطية التي عطّلت دورها التاريخي كرافعة تنموية مستقلة.

إنشاء صناديق مجتمعية أهلية لجمع الأموال ومساعدة رواد الأعمال والمحتاجين على إطلاق مشاريعهم دون اللجوء إلى القروض الربوية.

التركيز على تمكين الأفراد العاديين من خلال مشاريع صغيرة ومستدامة (على غرار تجربة بنك بنغلاديش الإسلامي)، بدلاً من التركيز على البنوك التجارية الكبرى التي تخدم منطق تراكم رأس المال.

ويمثّل هذا التمكين الاقتصادي المنطلق من القاعدة الشرطَ الضروري لليقظة السياسية التي يدعو إليها الدكتور عماد شاهين؛ فالمجتمع المُثقَل بالديون يفتقد القدرة على الفعل، بينما يملك المجتمع المتحرر منها قابلية أعلى للمطالبة بحقوقه السياسية والاجتماعية.

يجب زيادة الوعي العام وتكوين كيانات جديدة، كالمؤتمرات والملتقيات الفكرية، لبلورة رؤية واضحة ومطالب محددة للضغط على الأنظمة. الهدف هو استعادة المطالب الأساسية لثورات الربيع العربي التي لم تمت: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية".

: هناك ضرورة حتمية لإعادة النظر في استراتيجيات الأمن القومي لكل دولة عربية على حدة، والدفع نحو بناء "استراتيجية أمن قومي عربي جماعي". هذه الاستراتيجية ليست تهديداً للأنظمة، بل هي السبيل الوحيد لكسر التبعية وتحقيق حماية حقيقية للحدود والسيادة، وهو ما فشلت فيه استراتيجيات الاعتماد على الحماية الخارجية.

إن الفصل المصطنع بين البعدين الاقتصادي والسياسي هو أحد الأسباب الجوهرية التي أبقت المنطقة لعقود في حالة من العجز البنيوي والتبعية المزمنة، وحال دون تحوّل الوعي إلى قوة تغيير حقيقية.

تقدر شركة إنتغرال ميديا الاستشارية المحدودة خصوصيتك وتعلم جيدًا كم هي مهمة لك وأنك تهتم بكيفية استخدام بياناتك الشخصية.

نحترم ونقدّر خصوصية جميع من يزورون موقع عربي بوست، ولا نجمع أو نستخدم بياناتك الشخصية إلا على النحو الموضح في سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط، ولأغراض تحسين المحتوى المقدم وتخصيصه بما يناسب كل زائر؛ بما يضمن تجربة إيجابية في كل مرة تتصفح موقعنا.

تعتبر موافقتك على سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط أمرًا واقعًا بمجرد استمرار استخدامك موقعنا. يمكنكم الموافقة على جميع أغراض ملفات الارتباط بالأسفل، وكذلك يمكنكم تخصيص الأغراض والبيانات التي يتم جمعها. يرجى العلم بأنه حال تعطيل كافة الأغراض، قد تصبح بعض مزايا أو خصائص الموقع غير متاحة أو لا تعمل بشكل صحيح.

"الشرق" في لحظة فارقة: كيف يتموضع العالمان العربي والإسلامي في ظل التحولات السياسية والاقتصادية الحالية؟

مشاركة

Error category videos cards

قد يعجبك

تابعونا على تويتر انضم إلينا على الفيسبوك
تحميل تطبيق توابل - أجود أنواع التوابل المغربية