مشاركة
قسنطينة التي تبوح مدينتها القديمة بأسرارها كل مرة، تعد واحدة من المدن القليلة في العالم التي تختزل في طياتها تاريخا ضاربا في القدم وجغرافيا فريدة رسمت ملامحها الطبيعة، إذ يطلق عليها لقب مدينة الجسور المعلقة ومدينة الصخور والأبواب السبعة، غير أن لها وجها آخر خفيا وسرّيا لا يعلمه الكثير، وهي مدينة الأنفاق التي تتواجد أسفل قلب مدينتها القديمة التي توازي مساحتها نسيجها العمراني وتصل إلى خارج حدودها. وتعرف قسنطينة، خلال السنوات الأخيرة، عودة السياح وانتعاش الجانب السياحي، إذ بمجرد دخول قسنطينة تجد مئات الأجانب حول تلك الجسور المعلقة التي تربط أجزاء المدينة ببعضها فوق وادي الرمال، تروي قصة تحدي الإنسان للطبيعة، بدءا من جسر سيدي مسيد إلى جسر سيدي راشد، ومن جسر باب القنطرة إلى جسر الشلالات، تتشكل شبكة من الممرات المعلقة التي تربط بين الصخر والصخر وبين الماضي والحاضر الذي يحمل ذاكرة أجيال. وتعد المدينة القديمة في قسنطينة منطقة محصنة طبيعيا بالصخور التي تحيط بها، وشكلت عبر الزمن حماية لها، فقد أثرت الطبيعة في بنيتها التحية وخلفت بداية تشكل الأنفاق قبل صورتها الحديثة، والتي تعد وجها آخر من أوجه المكان، إذ عُرفت قسنطينة منذ القدم بوجود ممرات طبيعية وأخرى محفورة عبر الصخور لتسهيل التنقل والتجارة والدفاع، وهي ذات الممرات التي تمتد حاليا تحت المدينة القديمة بمساحة تعادل تقريبا مساحة ما فوقها، ويقال إنها تمتد إلى خارج أسوار المدينة والولاية كاملة، وتصل إلى حدود ولايات أخرى. وأوضح الخبير أن الرومان عمدوا إلى توسيع الممرات الصغيرة والضيقة، حيث إن حوالي 20% من هذه الممرات بنيت وفق النمط الروماني الواضح. وواصل، أنه خلال الفترة الوندالية ثم البيزنطية استخدمت هذه الملاجئ الطبيعية للدفاع عن المدينة أو للاختباء أثناء الأوبئة، أما في العصور الإسلامية والقرون الوسطى ومع بناء دويلات وبروز الحضارة الإسلامية في تلك الأماكن، فقد ظهر تطور عمراني كبير على مستوى حي القصبة والسويقة كحي شعبي متراص البنيان، وأصبحت هذه الأنفاق سراديب تحت البيوت الضيقة والمتلاصقة تستغل كمخازن وحماية للسكان أثناء الأزمات من الغارات وظهور الأوبئة، وأصبحت بذلك عبارة عن توسعات بشرية فوق ممرات طبيعية حولت إلى مخازن وآبار وغرف تحتية لخدمة المجتمعات المحلية. وأكد الدكتور رواق أن هذه الممرات الأرضية التي هي في الأصل تجاويف طبيعية طوّرها الإنسان عبر الزمن، أصبحت خلال الفترة الحمادية جزءا من شبكة عمرانية متكاملة لعبت دورا مهما خلال فترات النزاعات، إذ كانت منفذا للسكان للتنقل وجلب المياه والمؤونة خلال مختلف الحقب التي شهدتها المدينة.
مشاركة