مشاركة
حين يُغلق الإعلام عينيه عن فلسطين
منذ 6 أيام
في زمنٍ لم تعد تُقاس فيه العدالة بالحق، بل بعدد «المشاهدات» وعدد «الإعجابات»، تحوّل الصراع الفلسطيني إلى ميدانٍ جديدٍ من ميادين الحرب: حرب الصورة. هنا، يا صديقي، لم تعد الدبابات وحدها تهدم البيوت، بل الكاميرات أيضًا، حين تُدار بعدساتٍ منحازة، تلتقط مشهدًا وتُخفي آخر، وتُعيد صياغة الحقيقة كما يشتهي الممولون. في هذا العالم الذي يُتاجر بالدماء على الشاشات، صار العدل قضية «غير مربحة»، والفلسطيني الذي يُقاوم ببقائه ضيفًا غير مرغوبٍ فيه على موائد الإعلام الغربي، وكأن وجوده عبء على سردية جاهزة لا تحتمل الإزعاج. منذ أن غزا الإنترنت عقول البشر قبل قلوبهم، تغيّر شكل الوعي الجمعي. صار الخبر يُستهلك كما يُستهلك فنجان القهوة، سريعًا، بلا تأمل ولا مساءلة. وهنا، عزيزي القارئ، صارت القضية الفلسطينية تُختزل في لقطاتٍ عابرة، بين إعلانٍ عن عطرٍ فاخر ومباراة كرة قدم، كأنها حدثٌ منسيّ على أطراف العالم. بينما في خلفية المشهد، يقف الإعلام الأمريكي بقدرة مذهلة على التجميل ليُقدّم الجلاد في ثوب الضحية، ويُسكت صوت الأرض باسم «التوازن في التغطية»، في مفارقة لا تخلو من قسوة واستخفاف بالعقول. لكنّ الحقيقة، مهما حوصرت، تملك دائمًا طريقها للخروج. وهنا تحديدًا، يا عزيزي، حدث الشرخ في الجدار. فبينما تنشغل الفضائيات الكبرى بترميم الصورة الأمريكية، كانت مواقع التواصل الاجتماعي تُعيد التوازن للوعي العالمي. هناك، حيث لم تعد فلسطين مجرد «قضية»، بل وجوهًا حقيقية، وأصواتًا من تحت الركام، وأطفالًا ينادون بأسمائهم لا بأرقامهم. لقد ربحت فلسطين ولو جزئيًا حرب الضمير الإنساني، حين خرجت صورتها من تحت عباءة الإعلام المأجور إلى فضاءٍ أرحب يملكه الناس لا المؤسسات. ربما لا تربح فلسطين أبدًا حرب الإعلام، لكنها ربحت ما هو أعمق: الضمير الإنساني الحرّ، الذي بدأ، شيئًا فشيئًا، يفتح عينيه على الحقيقة التي حاولت العدسات المأجورة طمسها. فالصورة قد تُزوّر، لكنّ الذاكرة لا تُشترى، وهذه معركة الوعي التي لا تُهزم.
مشاركة