مشاركة
في وقتٍ تتسارع فيه التحولات الأمنية والسياسية في الإقليم بشكل غير مسبوق، يطرح تحليل موقع "

تستند الورقة إلى قراءة تحليلية لتطورات الأشهر الأخيرة، بما في ذلك الضربات التي طالت البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، وتراجع النفوذ الإقليمي لطهران. وضمن هذا السياق، تُطرح فرضية الانهيار – وإن ظلّت منخفضة الاحتمال – باعتبارها نقطة ارتكاز لتحليل التداعيات المحتملة على ثلاث دوائر رئيسية: تركيا، ودول الخليج، والقضية الفلسطينية.

في الأشهر الأخيرة، خاصة خلال حرب الـ12 يوما، ضربات نوعية استهدفت بنيتها النووية وقادتها الأمنيين والعسكريين، الأمر الذي كشف هشاشة قدراتها الدفاعية، وأدى إلى خسائر استراتيجية تراكمت مع سقوط نظام الأسد – الحليف الإقليمي الأبرز – وتصفية القيادة العليا لحزب الله في لبنان مع تقويض قدراته العسكرية ووقوعه تحت حصار جغرافي وسياسي غير مسبوق. هذه التطورات قوضت استثمارات إيرانية ممتدة لعقود في الإقليم.

ضمن هذا السياق؛ بلورت "إسرائيل"، التي لا يبدو أنها تخلت عن هدف إسقاط النظام، مقاربة تقوم على إضعاف النظام الإيراني عبر اغتيال قادته البارزين، ودعم الأقليات والنزعات الانفصالية في دولة متعددة القوميات (فرس، أكراد، أتراك، عرب، بلوش) إذ تنشط جماعات مسلحة في مناطق حدودية مثل سيستان وبلوشستان وكردستان. وتُرجح تقديرات إسرائيلية، كما أشار المستشار الأمني السابق غيورا أيلاند، أن الحرب الأخيرة تمثل مجرد بداية لـ"حروب إيران"، ما يعكس توقعات متزايدة بتصعيد عسكري متكرر.

يتوازى ذلك مع ضغوط اقتصادية غربية وأمريكية متصاعدة شملت عقوبات مشددة حدّت من إيرادات النفط والغاز، وأدت إلى تراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم. كما انضمت دول أوروبا (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) إلى هذه الجهود بتفعيل "آلية الزناد" وأعادت فرض العقوبات علي إيران، فيما توسعت أجندة التفاوض لتشمل البرنامج الصاروخي وعلاقات طهران مع الفاعلين المناهضين لإسرائيل. هذه التفاعلات تهدد بزيادة هشاشة النظام وتراجع قدرته على إدارة أزماته الداخلية.

أزمة ترسيم الحدود البحرية.. كيف تؤثر الخلافات الداخلية الليبية على مستقبل اتفاقيات غاز شرق المتوسط؟

تمتد الحدود البرية بين تركيا وإيران بطول 534 كيلومتراً، عبر تضاريس جبلية وعرة، ما يجعلها صعبة المراقبة، وقد شكّلت تلك الحدود تاريخيا ممرًا لعمليات التهريب والتنقل غير النظامي. وأثبتت التجربة السورية بعد عام 2011 أن الفراغ الأمني الناتج عن تفكك الدولة أو انشغالها بالحرب يجعل الحدود أكثر عرضة للاختراق، سواء عبر موجات نزوح جماعية أو عبر تنامي أنشطة الجماعات المسلحة. 

 وبالتالي؛ فإن سيناريو انهيار النظام في إيران قد ينتج عنه تحول الحدود إلى مسرح انفلات أمني يضع العمق التركي أمام ضغوط أمنية جديدة، وتُلزم أنقرة باستنزاف مواردها في إجراءات دفاعية تشمل تعزيز الانتشار العسكري وبناء خطوط عازلة جديدة، كما ستُفاقم ضغوط البنية التحتية والخدمات داخل تركيا مع تدفق اللاجئين من إيران، مما سيؤدي لأزمة داخلية بتركيا قد تفوق الأزمة الناتجة عن أزمة اللاجئين السوريين.

كما أن الانشغال بإيران يستنفد جزءا كبيرا من القدرات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية. وفي حال تفكك النظام الإيراني، فقد تصبح تركيا هي الشغل الشاغل لإسرائيل، وستزداد الضغوط الإسرائيلية على الحكومة السورية الجديدة، وستزداد فرص سيناريو تفكيك سوريا لأربع كيانات، وهو ما يصطدم مع الخطوط الحمراء التركية، وبالتالي تزداد فرص حدوث احتكاكات عنيفة بين تركيا و"إسرائيل".

من منظور أنقرة، يحمل سيناريو تفكك إيران مكاسب استراتيجية؛ فتلاشي النفوذ الإيراني من العراق وسوريا يفتح الباب أمام تركيا لتوسيع مشاريعها العابرة للحدود من "طريق التنمية" إلى ترسيخ الشراكة مع الحكومة السورية الجديدة في قضايا الأمن والطاقة وإعادة الإعمار. وفي جنوب القوقاز، سيُضعف تفكك إيران قدرتها على تعطيل "ممر زنغزور"، ما يمنح أنقرة وأذربيجان أفضلية جيوسياسية في الربط بين آسيا الوسطى وأوروبا.

 يمثل انهيار النظام الإيراني أو تفككه حدثاً مضاعِفاً للتحديات والفرص أمام دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات. فمن جهة يفتح زوال الخصم الإقليمي التاريخي نافذة لإعادة تشكيل النظام الأمني في الخليج، والذي تمحور منذ مطلع الثمانينات حول مواجهة "التهديد الإيراني". لكنه من جهة أخرى قد يطلق ديناميات فوضوية تتجاوز قدرة الخليج على التحكم فيها. وتظل أي مكاسب مرهونة بقدرة دول الخليج على منع قوى أخرى، خاصة "إسرائيل"، من تأسيس هيمنة أمنية بديلة وملء الفراغ بطريقة تضر بمصالح دول الخليج.

اقتصادية: أي تعطّل لإمدادات الطاقة الإيرانية سيرفع أسعار النفط والغاز عالمياً، ما يعود بإيرادات كبيرة على المنتجين الخليجيين ويدعم ميزانياتهم في المدى القصير.

جيوسياسية: تراجع النفوذ الإيراني في العراق واليمن وسوريا ولبنان يتيح للخليج استعادة مساحات نفوذ تقليدية، ويمنح السعودية خصوصاً أفضلية في بلورة ترتيبات أمنية جديدة بالجزيرة العربية.

أمن الملاحة والمنشآت الحيوية: احتمالية سيطرة جماعات مسلحة على السواحل الإيرانية أو تفكك الحرس الثوري إلى فصائل محلية قد يخلق نسخة أشد خطراً من نموذج الحوثيين على الضفة المقابلة للخليج، مع تهديد مباشر لمضيق هرمز ومنشآت النفط والبتروكيماويات (على غرار هجوم أرامكو 2019).

 الاضطرابات الإقليمية: الفوضى الداخلية في إيران قد تولّد موجات نزوح واسعة وضغوطاً اقتصادية–اجتماعية على دول الخليج، إلى جانب خطر تسرب السلاح والميليشيات عبر العراق أو الخليج العربي.

إعادة تشكيل النظام الأمني: ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام ضغوط لتعزيز مظلتها الدفاعية في الخليج، وربما إدخال ترتيبات جديدة تشمل تركيا ودول عربية أخرى.

 المعادلة مع "إسرائيل": ستحاول تل أبيب ملء الفراغ من موقع قوة، وبالاعتماد على النهج فرض الواقع استنادا إلى القوة العسكرية وليس من خلال آليات تنسيق دبلوماسية مع دول الخليج.

 الفرص الاستثمارية: على المدى البعيد، قد تصبح إعادة إعمار إيران تحت إشراف دولي فرصة واعدة لرأس المال الخليجي، مع منافسة متوقعة من تركيا والهند والصين.

كما هو الحال بالنسبة لتركيا ودول الخليج، فإنّ انهيار النظام الإيراني سيحمل مزيجًا معقدًا من التأثيرات السلبية والإيجابية المحتملة على مسار القضية الفلسطينية. ويتوقف مدى رجحان أي من الاتجاهين على طبيعة النظام الذي قد يخلف الجمهورية الإسلامية، وعقيدته الأمنية تجاه "إسرائيل" والغرب، ومدى بقاء البنية العسكرية والأمنية للنظام القديم أو تفككها بالكامل.

ستفقد الفصائل الفلسطينية الداعم الإقليمي الأبرز لبرامج تطوير قدراتها الصاروخية والتقنية، كما سيتراجع الدعم اللوجستي القادم من شبكات حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن. وهذا سيحد من قدرة المقاومة على إعادة بناء قوتها بعد حرب غزة الأخيرة، ويقوّض بصورة كبيرة بيئة الردع التي نشأت حول "إسرائيل" خلال العقدين الماضيين.

انهيار إيران سيُقدَّم كنموذج رادع لأي قوة تفكر في تحدي التفوق العسكري الإسرائيلي. ومع انكفاء قوى الإقليم الكبرى نحو الداخل، سوف تتزايد الضغوط والإغراءات الدولية لدمج "إسرائيل" في ترتيبات الأمن والاقتصاد الإقليمية من موقع متفوق، ما يعمّق تهميش القضية الفلسطينية ويحوّلها تدريجياً إلى ملف إنساني أكثر منه سياسي.

تقدر شركة إنتغرال ميديا الاستشارية المحدودة خصوصيتك وتعلم جيدًا كم هي مهمة لك وأنك تهتم بكيفية استخدام بياناتك الشخصية.

نحترم ونقدّر خصوصية جميع من يزورون موقع عربي بوست، ولا نجمع أو نستخدم بياناتك الشخصية إلا على النحو الموضح في سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط، ولأغراض تحسين المحتوى المقدم وتخصيصه بما يناسب كل زائر؛ بما يضمن تجربة إيجابية في كل مرة تتصفح موقعنا.

تعتبر موافقتك على سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط أمرًا واقعًا بمجرد استمرار استخدامك موقعنا. يمكنكم الموافقة على جميع أغراض ملفات الارتباط بالأسفل، وكذلك يمكنكم تخصيص الأغراض والبيانات التي يتم جمعها. يرجى العلم بأنه حال تعطيل كافة الأغراض، قد تصبح بعض مزايا أو خصائص الموقع غير متاحة أو لا تعمل بشكل صحيح.

مشاركة
1 2 3 4 ... 9

Error category videos cards

قد يعجبك

قد يعجبك

تابعونا على تويتر انضم إلينا على الفيسبوك
أخبار السعودية ـ أخبار عاجلة