د. جمال الهاشمي: الدبلوماسية السعودية واستعادة مركزية حل الدولتين
مشاركة
ظهر على امتداد تطور الصراع الفلسطيني الاسرائيلي مقاربات عربية ودولية  متعددة تعاملت مع القضية الفلسطينية بطرق متباينة ومختلفة  الا ان عددا كبيرا منها وظفت القضية لتحقيق مكاسب داخلية او اقليمية وإثبات نفوذ شعبي شرعي لاستمرارها في السلطة أو منافسة قوى محلية أو في صراعات اقليمية مع دول تنافسها إقليميا وهنا نجد القضية الفلسطينية أهم القضايا الشعبية التي حددت مكانة النظم العربية تحديدا على مواقفها منها.

وكانت أغلب هذه المبادرات افتراضية أو خطابية دون أن تمتلك  القدرة على انتاج مسار سياسي قابل للتطبيق.

و في مقابل ذلك حافظت الدبلوماسية السعودية على نهج يقوم على ثبات المبادئ والقراءة الواقعية للبيئة الاقليمية والدولية مما جعلها اكثر قدرة على دعم مسار حل الدولتين بصورة عملية بعيدا عن الاستخدام السياسي للقضية أو توظيفها توظيفا دعائيا .

وتستند السياسة السعودية تجاه فلسطين الى رؤية مبكرة مفادها ان الحل المستدام يتطلب تسوية سياسية واضحة المعالم يفرضها الواقع والتحولات الدولية والمتغيرات الاقليمية والداخلية. وقد جسدت مبادرة السلام العربية عام الفين واثنين هذه الرؤية من  بطرح اطار شامل يقوم على انسحاب كامل مقابل تطبيع شامل وعلى اقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود سبعة وستين.

وتبقى مصر والاردن صاحبتي دور مهم بحكم الحدود والارتباطات المباشرة بالقضية و مع ذلك فان التزاماتهما الداخلية والاقليمية تمنعهما من  توسيع دورها نحو   الرفع بمستوى قيادة مشروع سياسي شامل ومن القيود التي أثرت عليهما عدم قدرتهما في ضبط المعتقدات خارج إطار مشروع الدولة مما أثر على مواقفهما محليا واقليميا ودوليا.

 وقد انحصر  دورهما العملي  في ادارة الجوانب الامنية والانسانية والعلاقات اليومية بين الفلسطينيين واسرائيل وهي ادوار ضرورية لكنها لا تكفي لادارة مسار تفاوضي واسع يحدد الخطوات الاستراتيجية لأزمة عربية تتراجع باستمرار على المستوى الفكري والاقليمي والسياسي والدولي وهو  حول القضية من كونها عربية واسلامية إنسانية واخلاقية إلى تضييق ابعادها وحصرها على أنها قضية سياسية وأمنية فقط.

ووسط هذا الواقع برز الدور السعودي باعتباره الأقدر على ربط القضية الفلسطينية بالتحولات الاقليمية والدولية بطريقة منهجية؛ فالسعودية تمتلك ثقلا اقتصاديا وتحالفات دولية واسعة وموقعا سياسيا يمنحها  حركة اكبر من بقية الدول العربية ونفوذا بدأ يتسع حينما أخذت ملفات القضايا العربية بلسانها دون وسائط دولية .

وقد استخدمت هذه الادوات ضمن مقاربة واضحة لا تعتمد على التصعيد وإنما على بناء توافقات دولية واقليمية تؤدي الى استئناف عملية تسوية حقيقية وعيا منها بالتحديات والمقاصد المطلوبة والامكانيات والممكن تحقيقه.

وقد أكدت منذ عام الفين وعشرين على أن أية ترتيبات اقليمية جديدة بما في ذلك مناقشات التطبيع المحتمل يجب ان تكون مرتبطة بمسار سياسي يؤدي الى اقامة دولة فلسطينية مستقلة وهذا العطاء بمقابل كأن من أهم مميزات وقوة ووضوح الدبلوماسية السعودية على خلاف الدول الأخرى التي اعتمدت التطبيع خيارا للسلام واستسلاما للغة القوة دون مقابل أو ضمانات تضمن استقلالية الدول المطبعة وسلامها.

لكن هذا الموقف السعودي  اعاد القضية الفلسطينية الى مركز بعد أن اوشكت او كانت على الهامش بل إنها كانت مهددة بالتراجع والاندراس خصوصا بعد عدد من اتفاقيات التطبيع التي تمت بشكل منفرد دون رؤية اقليمية أو استراتيجية أو إنسانية.

وبذلك ساهمت السعودية التي تعرضت لحملات إعلامية ممنهجة لم تتعرض لها إسرائيل – في منع تحول حل الدولتين الى زمن كان لم يعد له مكان.

 وبالفعل أعادت توجيه اهتمام القوى الكبرى نحو ضرورة ايجاد معالجة سياسية لا يمكن تجاوزها لضمان مصالح القوى الكبرى التي لن تكون إلا بمصالح دول الإقليم والشرق الأوسط.

 وبالمقابل تعتمد السعودية على خطوات تدريجية تقوم على بناء توافقات محلية واقليمية ودولية  وتحريك المواقف الدولية وفرض شروط سياسية عملية تمنع تجاهل القضية الفلسطينية في اي تسوية اقليمية اوسع.

هذا النهج اكثر اتساقا مع متطلبات الواقع الدولي الذي لا يتجاوب مع الخطابات العاطفية ولا مع التصعيد الميداني.

 وتفدم المملكة للقضية اطارا حاكما يربطها بالمصالح الاقليمية والدولية وبالهندسة الامنية للمنطقة بهدف جعلها جزءا من الملفات التي لا يمكن للقوى الكبرى تجاوزها.

ان التحليل الموضوعي يظهر ان الدبلوماسية السعودية ساهمت بصورة واضحة في اعادة الاعتبار لحل الدولتين باعتباره الخيار الممكن الوحيد وقد وجهت  المواقف العربية والدولية نحو ضرورة ايجاد حل سياسي بدلا من استمرار الادارة المؤقتة للصراع.

 كما حافظت على سياسة ثابتة لا تهدف الى تحقيق مكاسب ظرفية بل الى بناء بيئة اقليمية تسمح بتحقيق استقرار طويل المدى.

بهذه العوامل مجتمعة يمكن القول ان الدور السعودي في دعم حل الدولتين هو الدور الاكثر تاثيرا بين الادوار العربية لانه يعتمد على رؤية سياسية واضحة وادوات واقعية تؤدي الى نتائج قابلة للقياس على عكس ادوار اخرى تستند الى استخدام شعارات او مواقف تصعيدية لا تساهم في فتح مسار تفاوضي فعال.

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

مشاركة

Error category videos cards

قد يعجبك

قد يعجبك

تابعونا على تويتر انضم إلينا على الفيسبوك
تحميل تطبيق توابل - أجود أنواع التوابل المغربية