لعلى بشطولة: اليوم الذي احتفلت فيه باريس… بينما أُبيدت مدينة عربية بأكملها
مشاركة
ولقواط — تلك الواحة العميقة في الجنوب الجزائري — واحدة من هذه المدن التي لم يغلق التاريخ جراحها بعد. ففي الثاني والثالث من ديسمبر 1852، شهدت لقواط واحدة من أكثر الجرائم طمسًا في التاريخ الاستعماري الفرنسي: إبادة منظّمة، محكمة التصميم، نُفِّذت بدقة مخبرية، وقُدِّمت كـ«هدية» إمبراطورية في يوم احتفال بباريس.

بينما كانت أضواء قصور التويلري تتلألأ احتفالًا بالذكرى الأولى لانقلاب لويس نابليون على الجمهورية، كانت مدينة كاملة تُساق إلى الموت على أطراف الصحراء.

ذلك التوازي الفظيع — بين نشوة السلطة في باريس وانطفاء حياة مدينة عربية — ليس حادثًا تاريخيًّا عابرًا، بل مفتاح لفهم كيف صيغت الحداثة الغربية بدماء المستضعفين.

بعد انقلاب 2 ديسمبر 1851، أسّس لويس نابليون حكمه بالقمع، واحتاج بعد تتويجه إمبراطورًا إلى «إنجاز يلمع».

وهكذا وقع الاختيار على لقواط: مدينة قاومت عشرين عامًا، وظلّت شوكة في حلق التوسع العسكري الفرنسي.

في 21 نوفمبر 1852، تلقّى الجنرال أيمابل بيليسييه — صاحب «الإنفومادات» الشهيرة في دهرة — أمرًا مباشرًا:

دام الحصار ثلاثة عشر يومًا. ومع فجر 2 ديسمبر — في الذكرى نفسها للانقلاب الذي أوصل نابليون الثالث إلى السلطة — سقطت الأسوار.

ما حدث بعد ذلك لا يشبه الحروب؛ بل يشبه عمليات الإبادة الحديثة التي ستعرفها البشرية لاحقًا في القرن العشرين.

ذبحٌ عند عتبات البيوت، نساءٌ يُنتهكن ثم يُقتلن، شيوخٌ يُحرقون أحياء، أطفالٌ يُرضَخون على الجدران، وآخرون يموتون مختنقين دون أثر رصاصة.

هدمت البيوت، نُهبت الممتلكات، أُحرقت الزوايا والمخطوطات، ودُنّست مقامات العلماء والصالحين.

وبمعايير اتفاقية 1948 للإبادة الجماعية، فإن ما حدث في لقواط يطابق التعريف القانوني بدقّة مذهلة:

إن الحداثة العسكرية — بعلمائها وأجهزتها — لم تولد داخل أوروبا، بل جُرّبت أولًا على الشعوب المستعمَرة.

بل للغرب الذي صنع سرديته عبر محو الآخرين، وبنى مجده فوق مدن أبيدت، وشعوب صودرت، وحقائق دُفنت.

لكن صمتهم وحده سيكون كافيًا لإدانة قرنٍ كامل من العنف الذي أرادت فرنسا أن تخفي بدايته… في واحة صغيرة، جنوب الجزائر.

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

معلومات جديده مفيده , كل الشكر للاستاذ الكاتب على جهوده , هل لقواط هي نفسها الاغواط laghouat ؟ ام مدينة اخرى اندثرت بشكل نهائي ؟

التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

مشاركة

Error category videos cards

قد يعجبك

قد يعجبك

تابعونا على تويتر انضم إلينا على الفيسبوك
Egypt News - أخبار مصر، التطبيق الإخباري الأول في جمهورية مصر العربية