مشاركة
السؤال الوجودي هذا تحول إلى موضوع نقاش عام في الإعلام والأبحاث والأجهزة الأمنية وحتى بين الاحتياط والمهاجرين اليهود. فكيف أصبحت البنية الداخلية الاجتماعية والنفسية والمؤسساتية الإسرائيلية اليوم أقل قدرة على امتصاص الصدمات، ولماذا بلغ القلق حول "استمرارية الدولة" لدرجة جعلت تل أبيب تؤمّن أرشيفاً احتياطياً لكل ما يتعلق بهذا المشروع في أعادت الأحداث الأخيرة، التي تصاعدت عقب معركة "طوفان الأقصى" والحرب على قطاع غزة التي استمرت نحو عامين، تفعيل الجدل المستمر حول قدرة "إسرائيل" على الصمود. هذا التساؤل الجوهري، الذي أصبح جزءًا ملازمًا للنقاش العام، خيّم بظلاله حتى على دولة الاحتلال في الذكرى السابعة والسبعين لتأسيسها، وذلك في ظل تنامي القلق المرتبط بـ "عقدة العقد الثامن" التاريخية والتي تحدث الكتاب الإسرائيليين حولها كثيراً بعد السابع من أكتوبر 2023. صحيفة "هآرتس" نشرت تقريراً عن وجود أرشيفٍ ضخم في مكان سري من المواد الإسرائيلية في جامعة هارفارد -والذي وُصِف بأنه "احتياطي" لكل ما يخص تاريخ "إسرائيل" من قبل قيامها وحتى اليوم- "في حال زوال إسرائيل عن الوجود كما نعرفها" لم يكن مجرد خبر عابر، بل مؤشر لما قد يُعتبَر احتمالاً نظرياً أو عملياً في مدى الشك باستمرارية المشروع. تحقيق هأرتس كشف عن قراءة معمقة لمسار نشأة الأرشيف الإسرائيلي ومحتواه، ما جاء منسجماً مع التحليلات التي تركز على مظاهر التفكك الداخلي في إسرائيل واحتمالات زوالها كما أزيل الممالك الصليبية بعد نحو 100 عام من بقائها في المنطقة. وسلط التحقيق الضوء على ظواهر متفاقمة تشمل اتساع الهجرة من إسرائيل، وتعمق الشرخ المجتمعي، وغياب التوافق بين مختلف فئات المجتمع اليهودي في ظل حالة استقطاب سياسي متصاعدة. هذه التحديات تكرس المغزى الكامن وراء فكرة حفظ الذاكرة الإسرائيلية بكل تفاصيلها خارج حدود البلاد، لكونها انعكاساً مباشراً لحالة القلق الوجودي التي تهيمن على "إسرائيل" حالياً. ويرتبط الدافع لهذا الجهد بهاجس عميق يطرح سؤال "ماذا لو لم تستمر إسرائيل؟"، وهو تساؤل صادم أطلقه مؤسس فكرة هذا الأرشيف البديل، المؤرخ الإسرائيلي تشارلز برلين في الثمانينيات، وهو ما دفعه لإطلاق مشروع سري في محاولة لضمان بقاء الذاكرة، حتى في حال اختفاء الدولة الإسرائيلية. هذه الصدمات المستمرة للحرب في غزة وفتح جبهات عديدة بالمنطقة وإطالة أمدها من قبل حكومة بنيامين نتنياهو بغض النظر على أثمانها أو تكاليفها، أدّت إلى "إرهاق جماعي" لدى الإسرائيليين وأثارت لديهم شكوك كثيرة حول فكرة الاستمرارية بالعيش في هذا المكان الذي لا يهدأ ويستدعيهم للقتال بشكل مستمر من وظائفهم الأخرى التي تضررت بشكل كبير. الفرنسية: "كبرت وكنت أعتقد أنني أخدم وطني… لكن بعد هذا الاستدعاء المتواصل والغياب المستمر عن العائلة وهذه الأثمان، لم أعد أجده (وطني)". تقول الصحيفة إن هذا القدر من القلق والتردد ضمن قاعدة الاحتياط – التي تعد ركيزة أمنية وإجتماعية في إسرائيل – ينعكس على شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، ولا يمكن رؤيته ببساطة كتعب أو تذمّر عابر: إنه إشارة إلى أن المنظومة النفسية للدولة بدأت تفتقد القدرة على الاستمرارية وامتصاص الصدمات. ومن مؤشرات هذا القلق والشك في استمرارية المشروع، أصبحت "إسرائيل" تواجه واحدة من أخطر أزماتها الداخلية منذ تأسيسها: أضف إلى ذلك أن تكلفة المعيشة المرتفعة التي لا تزال تُثقل كاهل الرواتب والقروض العقارية مزقت جميع الإسرائيليين٬ حتى أولئك الذين لم يخطر ببالهم الرحيل يومًا، يطرحون أسئلةً صعبة على أنفسهم حول الاستقرار و وبحسب الكاتب فإنه "منذ تشكيل الحكومة الحالية، غادر إسرائيل 6016 إسرائيليًا شهريًا، وهي زيادة تُقارب ضعف معدل المغادرة الشهري في السنوات الأربع التي سبقت تشكيلها. كما أن صافي رصيد المغادرة كبير جدًا، حيث بلغ 3910 إسرائيليين شهريًا خلال فترة هذه الحكومة، مقارنةً بمتوسط 1146 إسرائيليًا شهريًا في السنوات الأربع التي سبقت تشكيلها". الذي نشر مؤخراً هذا التطور بأنه "تسونامي سكاني"، يعكس تصاعد الإحباط من الأوضاع الأمنية والسياسية، وتراجع الثقة بمستقبل الدولة بعد حربٍ طويلة أنهكت المجتمع الإسرائيلي على المستويات كافة. ومع فقدان إسرائيل لجاذبيتها كمكانٍ "آمن ومستقر"، تتزايد مؤشرات الهجرة بين " تقول إنه من منظور توراتي، تحمل هذه اللحظة صدىً عميقًا لمستقبل إسرائيل، فـ"أرض إسرائيل ليست مجرد أرض، بل هي عهد. ولطالما انقلبت الهوية اليهودية بين المنفى والعودة. عندما يختار عدد كبير من الناس الخروج منها على الاستثمار فيها، فإن الخطر ليس ديموغرافيًا فحسب، بل روحي أيضًا. إنه يُضعف قصة العودة ويُضعف صوت العهد التوراتي الذي يربط الناس بالمكان" على حد تعبيرها. الانقسام السياسي الداخلي الإسرائيلي، الذي اتسع خلال الأعوام الأخيرة، أضعف قدرة الدولة على صناعة سياساتٍ طويلة الأمد تشعر المواطنين أو المستثمرين بالاستقرار أو البقاء. مؤسسات رسمية وأمنية تواجه ضغوط ايديولوجية، وجبهات اجتهاد قضائي متنافرة، واستقطابات حول التجنيد والتعليم والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. عبرية غربية إلى أن "إسرائيل" أصبحت تعيش وضعية عمل غير طبيعية: مؤسسات تعمل في حالة طوارئ دائمة، وصعوبة في الاتفاق على رؤية وطنية مشتركة. هذا الانقسام يعطل الآليات التي تعتمدها الدول المستقرة لمعالجة الأزمات ويفتح مساحات لشكوك حول قدرة الدولة على إعادة إنتاج نفسها سياسياً. وأضاف أن الثقة متصدّعة بكل القطاعات: بين مختلف الإسرائيليين أنفسهم، وفي قيادتهم، وفي الجيش، وأجهزة الأمن، وبعد اندلاع الحرب تلقّوا مزيدا من الانقسام والتحريض والاتهامات غير المسؤولة، وبدلاً من أن يتوحّدوا، فإنهم ينقسمون، وبدلاً من تكريم الجنود الذين يُقتَلون في غزة، فإنها تستنزفهم لأقصى حدّ. واعتبر أن كل هذه مؤشرات لفشل خطير للغاية، وذو عواقب بعيدة المدى في جميع المجالات، مما يدفعنا لطرح السؤال القديم الجديد: هل ستبلغ إسرائيل المئة عام من عمرها؟ وتجسد هاجس زوال "إسرائيل" بسبب انقساماتها الداخلية في العديد من الأعمال الأدبية والفنية الإسرائيلية مثل أما أوفير ليفي، مدير العيادة بالمركز الوطني للصدمات النفسية، فأكد "أننا في حرب منذ عامين، ومعظم من يلجأ إلينا إما يخدمون في الجيش، أو يعانون من ضغوط نفسية واضطراب ما بعد الصدمة، ولذلك تتراجع فعالية العلاج، ما يشعرنا بالقلق من شدة الموجة المتوقعة، في ضوء تآكل الإجماع العام حول الحرب".
مشاركة