الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
مشاركة
لم تكن الحرب الهمجية العنصرية التي شنها الاحتلال على غزة قاصرة على استهداف المقاتلين، لكنها استهدفت كل ما يمت بصلة لاستمرار الحياة على هذه الأرض، فاستهدفت البنية التحتية في القطاع، كتدمير معظم محطات تحلية المياه، والمشافي والمراكز الصحية، والطرق الرئيسة والشوارع الفرعية، ونظام الصرف الصحي، ومولدات الكهرباء وأبراج الاتصال، والمباني الحكومية، والمساجد والكنائس، فضلاً عن أكثر من 75% من المباني السكنية.

ولعل أخطر ما استهدفته على الإطلاق تدمير كل ما يتعلق بالهوية الوطنية والذاكرة الفلسطينية التي تربط الأجيال بجذورها وهويتها الفلسطينية الأصيلة للوصول إلى «الإبادة المعرفية» التي تهدف لخلق جيل جديد منفصل عن تراثه وتاريخه وحضارته وقيمه، جيل يقبل بالخنوع لإرادة المحتل ويرضى بحياة بلا هوية ولا ثقافة ولا كرامة، جيل بلا طموح يعيش ليأكل ويشرب ويقضي شهواته كالبهائم.

وقد نصت هذه الاتفاقيات على مجموعة من المبادئ الأساسية لحماية التراث يمكن مراجعتها في مظانها، وعلى سبيل الاختصار يمكن تلخيص هذه المبادئ بما يلي:

عدم التذرع بالضرورة العسكرية لتبرير تدمير التراث إلا في حالات استثنائية جداً وضرورية للبقاء.

إن المتابع لسلوك الاحتلال في هذه الحرب يلاحظ استهدافه المباشر والممنهج لكل أدوات المعرفة وصناعة الهوية،

استهدف الاحتلال جميع مرافق التعليم في غزة على مختلف مستوياتها، وإذا بدأنا بالجامعات فقد دمر الاحتلال 5 جامعات من أصل 6 أبرزها الجامعة الإسلامية، وجامعة غزة، وجامعة الأزهر.

وحسب «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، فقد طال الاستهداف 90% من أبنية المدارس الحكومية علماً بأن هناك 133 مدرسة حكومية تستخدم كمراكز إيواء، فقد استهدفت آلاف المدارس الحكومية والخاصة والأممية، كما تم استهداف المختبرات العلمية والمراكز البحثية والمكتبات الجامعية.

إن المعرفة تتراكم عبر الأشخاص قبل المؤسسات؛ وعليه، فإن الأساتذة الجامعيين والباحثين والمفكرين ومعلمي المدارس بجميع مستوياتها هم رأس المال الثقافي وأهم ركن في عملية المعرفة؛ لذا لم يكن استهدافهم عشوائياً، بل كان ممنهجاً ومقصوداً بذاته، وقد وثق «المرصد الأورومتوسطي» استشهاد 94 من أساتذة الجامعات، منهم 17 أكاديمياً يحملون درجة الأستاذية (البروفيسور)، و59 يحملون درجة الدكتوراة، و18 درجة الماجستير، ومئات المعلمين، وآلاف الطلبة.

بالإضافة إلى ذلك، أدى الاستهداف إلى فقدان أبحاث وبيانات وبنى معرفية امتدت لسنوات؛ مما يهدد انتقال الخبرة بين الأجيال، وبهذا لا يُستهدف الفرد فقط، بل النظام المعرفي برمته الذي كان من الممكن أن ينتجه.

إن تدمير الوثائق التاريخية من قبل المحتلين منهج استعماري خطير يهدف إلى محو ذاكرة الأجيال الجديدة عبر طمس كل ما يعزز السردية الفلسطينية من وثائق، وإن التاريخ الفلسطيني مليء بالوثائق، والصور، والأرشيفات، والمرويات الشفهية التي تشكل بمجموعها الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، وفي هذا السياق نقرأ استهداف الاحتلال الذي طال البرج الذي يضم مبنى «عيون على التراث»؛ وهو مشروع وطني مهم لترميم مخطوطات ووثائق نادرة في غزة بتمويل أوروبي.

على الرغم من هذه الصورة السوداوية والأخطار الحقيقية التي تواجه الهوية الوطنية والتراث والثقافة، فإن الشعب الفلسطيني كما أبدع في المقاومة العسكرية فقد أبدع في المقاومة المعرفية، واستطاع بشكل كبير من تحييد أخطار الإبادة المعرفية وأبقى على جذوة الوعي مشتعلة وقّادة،

البدء بترميم ما يمكن من مباني الجامعات المستهدفة والإعلان عن بدء التسجيل للعام الدراسي في الجامعة الإسلامية.

تقديم الإسناد الأكاديمي من الخارج وإطلاق حملات ومبادرات في إطار وقف الوقت للأكاديميين الداعمين خارج فلسطين.

وجدير بنا النظر بفخر إلى امتداد المقاومة المعرفية خارج حدود الوطن، لتشمل العالم الغربي الذي بات لا يؤمن بالسردية الصهيونية، وأصبح متماهياً مع السردية الفلسطينية، وانعكس ذلك إيجاباً في صناديق الاقتراع، وهذا يبشر ببداية مرحلة جديدة أبرز معالمها اندحار المشروع الصهيوني في المنطقة والعالم، وإن غداً لناظره قريب.

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

قراءة لكتاب "موسوعة أخلاق الحكام في الشريعة الإسلامية" للعلّامة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الباقي حقّاني

مشاركة

Error two category varieties no first cards

Error category videos cards

Error category top-news cards

قد يعجبك

تابعونا على تويتر انضم إلينا على الفيسبوك
أضف سلعة أو إعلاناً الى السوق