العدالة الدولية بين إشكاليات السياسة وتحديات التطبيق
مشاركة
لا يُمكن فهْم العدالة الدوليّة بوصفها نتاجاً ظرفيّاً أو استجابةً آنيّة لأزماتٍ عابرة، بل هي ثمرة مسارٍ تاريخيّ طويل سعى من خلاله الإنسان إلى إخضاع علاقاته الجماعيّة لمنطق القانون بدلاً من منطق القوّة. وقد تطوَّرت هذه العدالة في سياقٍ جدليّ تفاعليّ بين الإنسان والمُجتمع والقانون، إلى أن تبلْورتْ في صورتها المعاصرة كمنظومةٍ قانونيّة دوليّة يُفترَض أن تضْطلع بدَورٍ محوريّ في حماية حقوق الإنسان، وصوْنِ كرامته، وترسيخ السِّلم العالميّ.

غير أنّ هذا الطموح المعياري يَصطدم بواقعٍ دوليّ يتّسم باختلال موازين القوى وتنامي النِّزاعات المسلّحة، وهو ما أدّى إلى اهتزاز الثقة في حياد آليّات العدالة الدوليّة وفعاليّتها. وعلى الرّغم من هذه الإشكالات البنيويّة، تظلّ العدالةُ الدوليّة هي الإطار القانوني الأسمى للمُساءَلة عن أخطر الجرائم الدوليّة، وأداةً لا غنىً عنها لتنظيم العلاقات بين الدول، الأمر الذي يُسهم في الحدّ من مظاهر الفوضى العالميّة، وتعزيز الاستقرار داخل المجتمع الدولي.

وتَعمل المؤسّساتُ الدستوريّة والتشريعيّة والتنفيذيّة، فضلاً عن الأجهزة الدبلوماسيّة، ضمن الحدود التي يرسمها القانون الدولي، وتَبقى من حيث المبدأ ملزمةً باحترامِ قواعد الشرعيّة الدوليّة. غير أنّ امتداد النفوذ السياسي إلى المجال القضائي، سواء على الصعيد الوطني أم الدولي، يُشكِّل مساساً خطيراً باستقلال القضاء، ويُقوِّض إحدى الركائز الأساسيّة للعدالة، ويؤدّي إلى تآكُل ثقة الشعوب في المؤسّسات القضائيّة. ومن ثمّ، يُعَدّ استقلال القضاء شرطاً جوهريّاً لصوْنِ العدالة، وضمان سموّ القانون فوق سائر الاعتبارات السياسيّة.

في هذا السياق، أُنشئت المحكمةُ الجنائيّة الدوليّة الدائمة بموجب نظام روما الأساسي لعام 1998 بوصفها إطاراً تعاقديّاً مُلزِماً للدول الأطراف، يَكفل استقلالها الوظيفي ويحول دون التدخّل في عمل قُضاتها، سواء من الدول المنضمّة أم غير المُنضمَّة. وحتّى مجلس الأمن، على الرّغم من الصلاحيّات المحدّدة المخوّلة له بموجب النظام الأساسي، يَظلّ مقيَّداً بهذا الإطار القانوني، ولا يَملك سلطةَ توجيه القضاء أو التأثير في أحكامه. ويَنسحب المبدأ نفسه على محكمة العدل الدوليّة، التي تُعَدّ جهازاً رئيساً من أجهزة الأُمم المتّحدة، لكنّها تتمتّع باستقلالٍ وظيفي كامل يحول دون المساس باختصاصاتها أو التأثير في قُضاتها. ويُكرِّس ذلك مبدأً جوهريّاً مفاده أنّ العدالة، وطنيّةً كانت أم دوليّة، لا تَخضع إلّا لسلطة القانون.

غير أنّ المُمارَسة الدوليّة تَكشف فجوة واضحة بين الإطار القانوني المعياري والواقع السياسي، إذ تظلّ العدالةُ الدوليّة في كثيرٍ من الأحيان رهينةً لتوازناتِ القوّة والإرادات السياسيّة، ولا سيّما في ظلّ تضارُب المصالح بين الدول الكبرى. ويتجلّى هذا الواقع في عددٍ من القضايا المُعاصرة، من بينها الدعوى التي رفعتها أوكرانيا ضدّ روسيا أمام محكمة العدل الدوليّة في العام 2023، حيث ظلَّ تنفيذُ التدابير المؤقّتة مرهوناً بحسابات مجلس الأمن. كما بَرز التأثيرُ السياسي بوضوح في القضيّة التي أقامتها جنوب إفريقيا ضدّ إسرائيل في العام 2024 بشأن جريمة الإبادة الجماعيّة في غزّة، وما صاحبها من مواقف متباينة للقوى الكبرى، الأمر الذي أثار تساؤلاتٍ جديّة حول قدرة القضاء الدوليّ على فرْضِ قراراته بمعزل عن الضغوط الجيوسياسيّة.

وهكذا يتبيّن أنّ العدالةَ الدوليّة، على الرّغم من رسوخها القانوني، تتقاطَع في المُمارَسة مع حسابات القوّة والمصلحة، الأمر الذي يَجعل الامتثالَ للقانون الدولي نتيجةً لتوازنٍ دقيق بين الالتزام المبدئي والقرار السياسي.

تُواجِه العدالةُ الدوليّة تحدّياتٍ جسيمة منذ بدايات القرن العشرين، وهو ما دَفع المجتمع الدولي إلى استحداث آليّاتٍ قضائيّة دوليّة لمُلاحَقة مرتكبي أخطر الجرائم، بعدما ثبتَ عجز العديد من المحاكم الوطنيّة عن تحقيق العدالة في هذا المجال. وقد شَكّلت محكمتا نورمبرج وطوكيو، عقب الحرب العالميّة الثانية، التجربةَ الأولى في هذا السياق، تَلتها المحاكمُ الجنائيّة الدوليّة الخاصّة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا، ثمّ المحاكم المُختلطة في دول مثل سيراليون ولبنان، وصولاً إلى إنشاء المحكمة الجنائيّة الدوليّة الدائمة. وعلى الرّغم من هذا التطوّر المؤسّسي، وُجِّهت إلى هذه الآليّات انتقاداتٌ متكرّرة تتعلّق بانتقائيّة القضايا، وازدواجيّة المعايير، وغياب أدوات تنفيذيّة فعّالة تَضمن نفاذَ قراراتها.

وتُظهر هذه الأمثلة أنّ فاعليّة المحكمة الجنائيّة الدوليّة تظلّ رهينةً بمدى التعاوُن الدوليّ، وحجْم الضغوط السياسيّة، وقدرة الدول الكبرى على التأثير في مسار العدالة، بما يَعكس التوتّر المُستمرّ بين منطق القانون الدوليّ واعتبارات السياسة. وعلى الرّغم من هذه العقبات البنيويّة، تَبقى العدالةُ الدوليّة مَطلباً إنسانيّاً لا غنىً عنه، وأملاً للشعوب المقهورة، ومَرجعاً أخلاقيّاً وقانونيّاً لالتزام المجتمع الدولي بمبادئ الشرعيّة والإنصاف. كما تؤكّد التجارب التاريخيّة، من محاكم نورمبرج إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة في صورتها المعاصرة، إمكان إحداث تحوّلاتٍ جوهريّة متى ما توافَرت الإرادةُ الدوليّة حول ذلك.

تتجلّى فاعليّة العدالة الدوليّة بصورةٍ أوضح لدى ربطها بأمثلةٍ واقعيّة تُبرِز طبيعةَ التفاعُل القائم بين الآليّات القانونيّة من جهة، والإرادة السياسيّة والضغط المُجتمعي من جهةٍ أخرى، حيث كَشفتِ الحربُ الدائرة على أرض أوكرانيا منذ العام 2022 كيف أَسهم التوثيقُ الإعلامي المكثّف وتقارير المنظّمات الحقوقيّة الدوليّة في دفْع المحكمة الجنائيّة الدوليّة إلى فتْحِ تحقيقات وإصدار مذكّرات توقيف بحقّ مسؤولين روس، في خطوة أكّدت أنّ تحريك القضاء الدولي غالباً ما يَرتبط بدرجة تعبئة الرأي العامّ الدولي، حتّى وإن ظلّت إشكاليّة تنفيذ القرارات القضائيّة قائمة.

وتُبرِز هذه النماذج أنّ العدالة الدوليّة ليست آليّة جامدة أو منظومة مثاليّة معزولة عن الواقع، بل إنّها مَسارٌ تراكميٌّ يتقدّم كلّما تلاقت القواعد القانونيّة مع ضغط الرأي العامّ العالمي. فكلّما ارتفعتِ الكلفةُ السياسيّة لتجاهُل الانتهاكات الجسيمة، اقترب إمكان تفعيل آليّات المحاسبة وتقليص هامش الإفلات من العقاب.

أكثر التطبيقات يسارية لم تجد مفرا في التطبيق من أن تعود إلى الاعتراف ببعض «قوانين السوق» التى هي أساس الفكر الاقتصادى اليمينىكثيرا...

مشاركة

Error category videos cards

قد يعجبك

قد يعجبك

تابعونا على تويتر انضم إلينا على الفيسبوك
أخبار بلادي ـ أخبار عاجلة، تطبيق الأخبار العربي رقم واحد