ترامب وقارة أفريقيا.. كيف يخطط للسيطرة على ثرواتها | 1
مشاركة
منذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2024 في ولايته الثانية، دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التسويق لنفسه كـ"رجل سلام" يسعى لإنهاء النزاعات حول العالم، لكن وعود السلام التي أطلقها تبدو إلى حد كبير مغلفة بطموحات اقتصادية وأمنية قوية، خصوصاً فيما يتعلق باستغلال المعادن النفيسة ومصادر الطاقة حول العالم.

قبل ذلك، أعلن أحد كبار مسؤولي الخارجية الأمريكية في مايو/أيار 2025 أن الدبلوماسيين الأميركيين في إفريقيا سيُقيّمون بحسب "الصفقات التجارية التي يتم إبرامها، وليس بحسب المساعدات التي تُقدّم"، وهو تعبير صريح عن تغيير أولويات واشنطن نحو موارد القارة بدل الدعم التقليدي.

وثائق وخرائط: كيف فرّط لبنان في آلاف الكيلومترات البحرية بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود مع قبرص؟

أُطلق مكتب تمويل التنمية الدولي (DFC) بحد تمويلي 60 مليار دولار لاستقطاب استثمارات القطاع الخاص.

أُنشئت برامج دولية وشراكات مثل "مبادرة الحوكمة الطاقية والموارد" (ERGI) مع بوتسوانا وغيرها، ووقّع ترامب أوامر تنفيذية لتأمين سلاسل التوريد الحرجة.

ولعل إدارة ترامب كانت واضحة، ففي بيان صحفي صدر عن البيت الأبيض في 15 أبريل/نيسان 2025، جاء: "المعادن الأساسية، بما فيها العناصر الأرضية النادرة، ضرورية للأمن القومي والمرونة الاقتصادية. ولا تزال الولايات المتحدة تعتمد اعتماداً كبيراً على المصادر الأجنبية".

وبذلك يوضح تورشين لـ"عربي بوست" تحوّل المنظور الأمريكي من منطق "الدعم والمساعدة" إلى منطق "الشراكة القائمة على المصالح الاقتصادية"، إذ باتت واشنطن تنظر إلى إفريقيا باعتبارها قارة غنية بالموارد الطبيعية والثروات المعدنية النادرة التي تحتاجها الولايات المتحدة في صناعاتها التكنولوجية والدفاعية المتقدمة.

مصادر: عين الحكومة المصرية على عوائد الشقق المؤجرة وخطة لتحويل السكني إلى “فندقي” وتقنين الضرائب

وهو ما أكده تقرير لمركز "بروكنجز" (Brookings) صدر في شهر يوليو/تموز 2025، عندما قال: "من خلال تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية، وتوسيع الاستثمارات الأميركية، وتعميق التجارة الثنائية، تسعى واشنطن إلى إبراز نفوذها، وبناء التحالفات، ومواجهة الخصوم".

في ليبيا، أُطلقت مبادرات أميركية تحت شعار "إحلال الاستقرار لتمكين الاستثمار"، وأشار مبعوث ترامب لشؤون إفريقيا والعالم العربي، مسعد بولس، إلى جهود لتوحيد المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي الليبي، كخطوة تمهيدية لدخول شركات أميركية للطاقة في البلاد.

وفي قضية الصحراء الغربية، اتخذت واشنطن موقفاً واضحاً منذ قرار ترامب الأول بخصوص سيادة المغرب على الصحراء. فقد صرّح نائب وزير الخارجية زلماي خليل زاد في سبتمبر/أيلول 2025 بأن واشنطن ستدعم الاستثمارات الأمريكية في "كل المغرب، بما فيه الصحراء الغربية".

الخبير الاقتصادي في الشأن الإفريقي، والأستاذ الجامعي في جامعة باماكو بمالي، إيتيان فاكابا سيسوكو، أشار إلى أنه في عام 2018، قدّم مستشار ترامب خلال ولايته الأولى، جون بولتون، الاستراتيجية الإفريقية الجديدة، المرتكزة على "الازدهار المتبادل" عبر التجارة.

وقد تكرّست هذه المقاربة من خلال مبادرتي "بروسبر أفريكا" (Prosper Africa) ومؤسسة تمويل التنمية الأمريكية (DFC)، وهما أداتان صُممتا لجذب رؤوس الأموال الخاصة الأمريكية إلى الأسواق الإفريقية، ولا سيما في مجالات البنى التحتية والطاقة والموارد المعدنية.

تمثل القارة الإفريقية خزاناً ضخماً من المعادن النفيسة والنادرة الحيوية للصناعة العالمية، مثل: الكوبالت، والنحاس، والليثيوم، والذهب، والتيتانيوم، وغيرها. ويولي ترامب وأجهزته اهتماماً خاصاً بالدول التي تزخر بهذه المعادن، ويخططون لتنفيذ مشاريع كبيرة هناك.

كما تسعى الولايات المتحدة لعقد شراكات مطولة تمنحها حقوق امتياز طويلة الأمد في عمليات استخراج المعادن. ومن أبرز هذه الدول:

وأبرمت شركة أمريكية (Kobold Metals، بدعم من جيف بيزوس وبيل غيتس) اتفاقاً مع حكومة كينشاسا لاستغلال هذا المنجم. وبالإضافة إلى ذلك، تشمل المشاريع الأمريكية دعم إنشاء شبكة سكك حديدية (ممر لوبيتو) لربط حقول التعدين الساحلية والداخلية مع موانئ أنغولا.

: يرتبط مصيرهما بنجاح ممر لوبيتو. ففي أنغولا، يمر المشروع عبر منجم كاييلو (للكوبالت) وصولاً إلى ميناء لوبيتو، ويتم توسيعه لاحقاً إلى زامبيا (ثاني أكبر منتج نحاس بعد الكونغو). وتبلغ التمويلات الأمريكية الموعودة للمشروع 550 مليون دولار (عن طريق DFC)، لإكساب شركات التعدين الغربية القدرة على تصدير النحاس والكوبالت مباشرةً من المنطقة.

: تملك احتياطيات كبيرة من النحاس والكوبالت، وهي مستهدفة بطبيعة الحال كجزء من ممر لوبيتو لاتحاد مناجمها مع أنغولا والكونغو.

: تُنتج الفوسفات والليثيوم والأتربة النادرة. وقد أبدت شركات أمريكية اهتماماً متزايداً ببعض مناجم الليثيوم النامية هناك. ولاقت مشاريع شراكة دولية قائمة على التمويل الإفريقي دعماً من بلدان كناميبيا، في إطار مسعى تنسيق أمريكي أوروبي لتأمين معادن البطاريات.

وتعمل الولايات المتحدة على استعادة حضورها في الجزائر عبر تشجيع الاستثمارات في قطاع الغاز الصخري، حيث تملك الشركات الأمريكية (مثل Occidental وChevron) التكنولوجيا اللازمة لاستخراجه.

ومنذ رفع العقوبات الأمريكية جزئياً، حاولت شركات أمريكية دخول السوق السودانية عبر بوابة "إعادة الإعمار والسلام"، حيث ترى واشنطن أن استقرار السودان بعد النزاعات الداخلية يفتح الباب أمام استثمارات واسعة في الطاقة والمعادن.

على الرغم من صورتها التنموية، تثير هذه السياسات مخاوف من إعادة توظيف نموذج استعماري اقتصادي جديد. يرى النقاد أن التركيز على تصدير الخام دون تصنيع محلي سيعيد سيناريو "لعنة الموارد".

على سبيل المثال، وصف تقرير لمركز "Brookings" أن هذه الشراكات غالباً ما تنعكس علاقات شبيهة بالاستعمار، حيث تنشأ أنماط استخراجية واستيطانية بحتة عن الموارد، دون تقديم فوائد تنموية حقيقية للسكان.

هذا التصريح يبيّن أن الاتفاقات قد تُعقد بشروط منح حقوق التعدين للشركات الأمريكية، مما يعني تركيز الأرباح الرئيسية في أيدي المستثمرين الأجانب.

مثل هذه الترتيبات يمكن أن تستنزف الثروات دون أن تعود بتنمية مستدامة على المدى البعيد، فكلما صُدّرت المواد الخام مباشرةً، قلّ الحافز لإنشاء صناعات محلية أو بنى تحتية ذات قيمة مضافة.

في المقابل، تربط الصين علاقات تجارية ضخمة مع إفريقيا (تصل إلى 240 مليار دولار سنوياً) مقابل 47 ملياراً أمريكياً فقط. هذا الفارق يحفّز واشنطن على الدفع بقوة لزيادة وجودها.

وصرّح دبلوماسي أمريكي بأن "ممر لوبيتو"، الممول أمريكياً، يأتي ضمن استراتيجية لفرض توازن قوة ضد سيطرة الصين على كبريتيد الكوبالت والنحاس. وكرّر كبار مستشاري ترامب أنهم مصممون على تحدي النفوذ الصيني في مجال المعادن.

أما الصين، فقد سبقت الجميع في الاستثمار في مناجم مثل الليثيوم والكوارتز والخامات الأرضية النادرة في دول كالكونغو وزيمبابوي وناميبيا وحتى مالي. لذلك، فإن احتمال التصادم الأمريكي–الصيني في إفريقيا مرتفع.

تقدر شركة إنتغرال ميديا الاستشارية المحدودة خصوصيتك وتعلم جيدًا كم هي مهمة لك وأنك تهتم بكيفية استخدام بياناتك الشخصية.

مشاركة

Error two category varieties no first cards

Error category videos cards

قد يعجبك

قد يعجبك

تابعونا على تويتر انضم إلينا على الفيسبوك
أثناء الممارسة نكتشف الفلسفة الحقيقة للوينج تشون